الرئيسيةالمقالاتهكذا قتلوني مرتين!
المقالات

هكذا قتلوني مرتين!

غرفة العناية المركزة بأحد مشافي حلب، أحاط بي الأطباء وأنا أحاول أن أفتح عيناي المتعبتان بعد سلسلة عمليات في البطن والقدمين..

حدقت بهم فشعرت بنظرات الخوف والشفقة على حالي!
هكذا هم دائما مع مرضاهم رغم كل الجحيم الذي هم فيه إلا أن قلوبهم رحيمة على كل مصاب وأفئدتهم حنونة على كل جريح..

أخبرني أصدقائي الطيبون الذين لم يفارقونني طيلة فترة إصابتي أنني بعد كل جراحة وقبل استيقاظي من التخدير كنت أتمتم بكلمات “يا رب خذ من عمري وأعطِ خالدا”
تبادلنا النظرات.. ثم استجمعت قواي وحاولت الكلام.. أحسست أن كلماتي ترفض الخروج من فمي .. هل هو تأثير المخدر أم الخوف من إجابة قد تقضي علي لا يهم.. استجمعت قواي ثم كان أول ما استطعت النطق به :
“عجب وينو خالد؟ ماني شايفو ! هو بخير”

لم أتلق أي جواب .. وقفوا دون أي كلمة .. حاولت عيونهم الإجابة لكنها فشلت أيضا !
قال لي أحدهم .. ” هو بخير بس .. بس مصاب ”

أغمي عليّ لدقائق .. استيقظت مجددا .. ” يا جماعة من شان الله طمنوني عن خالد .. ليش واقفين جنبي.. أنا بخير .. أنا منيح .. شوفو خالد حبابين”

علمت بعدها من حديثهم أن إصابة خالد خطيرة وأنه يصارع الموت!
يالله.. كم تمنيت أن أتمزق ألف ألف قطعة قبل أن أعلم بهذا الخبر!

عادت سيناريوهات مؤلمة كنت قد عايشتها في الماضي إلى مخيلتي المتعبة
تذكرت مأساة فقدي لطراد رحمه الله ..
فطراد الزهوري الذي رافقني طيلة ثلاث سنوات من عمر الثورة، كان معي فيها كما يكون الظل من صاحبه .. كما تكون الروح من الجسد..

أحببته كما لم يحب أحدٌ أحدا من قبل
تعلقت به حدّ الجنون حتى أننا تعاهدنا يومها إما أن نموت معا أو نعيش معا !

عادت إليّ كل تلك التفاصيل المؤلمة لأن طراد كان أيضا قد أصيب بشظية في رأسه وبقي يصارع الموت قرابة الأسبوع إلى أن استشهد رحمه الله
فكان استشهاده أكبر فاجعة في حياتي أحسست فيها أني أنا من فارق الحياة

استفحل اليأس في كل تفاصيل حياتي يومها حتى قتلني أو كاد !
إلى أن دخل خالد في حياتي وانتشلني مما أنا فيه!
فكان لي كما كان طراد وأكثر.. أحببته بجنون أكثر.. أحببته بحجم كل الحب في كرتنا الأرضية .. أحببته أكثر من نفسي وروحي صدقوني!

هل سمعتم عن حب ظمآن كاد أن يهلكه العطش للماء..
هل سمعتم عن عشق السقيم للشفاء أو عن حب الأعمى لرؤية السماء !
حبي له كان أكثر والله من كل هذا أو ذاك !

ها هو خالد الآن يعيش ما عاشه طراد رحمه الله.. تشابها حتى بنوعية الإصابة “شظية في الرأس” !
تصارعت الأفكار والذكريات في رأسي المدمّى.. هل أنا مع موعد جديد مع المأساة ؟ هل سأُقتل مرة ثانية؟

قرر الأطباء إخراجنا من حلب إلى تركيا لاستكمال العلاج !
لم يكن هناك يومها إلا طريق واحد يربط حلب بخارجها “كاستلو”

كان الطريق يتعرض للقصف المكثف بشكل يومي بالاضافة لرصده بالقناصات !
سارت سيارات الإسعاف بسرعة فائقة واضطرت للمرور بالطريق الترابي المحاذي للكاستلو تجنبا للقصف !

هكذا هي حياة المسعفين في بلدي .. يخاطرون في كل لحظة بحياتهم لينقذوا أرواح غيرهم !

تحطم دولاب السيارة فسقطتُ من السرير أكثر من مرة لتزداد آلامي آلاما..
لم تكن آلام جسدي هي الموجعة بل روحي المصابة في السيارة الأخرى..
هل سيعيش خالد ؟ أم سيموت وأموت أنا وكل ذكرياتي معه ؟!

وصلنا إلى الحدود السورية التركية ثم دخلنا تركيا وتنقلت بين مشافيها حتى استقرينا أخيرا في أحد المشافي.

كم من مقتول دفن وهو على قيد الحياة.. أنا منهم.. قتيلٌ ما زال على قيد الحياة
أجريت لي المزيد من العمليات الجراحية .. أخبرني أصدقائي الطيبون الذين لم يفارقونني طيلة فترة إصابتي أنني بعد كل جراحة وقبل استيقاظي من التخدير كنت أتمتم بكلمات “يا رب خذ من عمري وأعطِ خالدا .. يا رب خذ من عافيتي وأعطها خالد ”
بقيت على هذا الحال حتى جاءني الخبر كصاعقة دمرت قلبي !

” خالد لحق طراد .. خالد استشهد” !

يا الله ما أصعب هذه الحروف .. هي والله أصعب من الأنقاض التي دُفنت تحتها .. مؤلمة هي أكثر من كل جروحي التي لم يتوقف نزيفها !
روحي طارت إلى السماء وبقيت هنا أصارع الوجود وحدي !
بكيتُ بلا دموع .. صرخت بصمت حتى أنا لم أسمع صوتي !

أحسست أنَّ أحزاني لم تعد أحزاناً ! لم يعد يؤلمني الألم .. لم يعد يعنيني الأمل !
في تلك اللحظة توقفت كل اللحظات .. تاه الزمن وضاع، وضاع مع ضياعه الضياع !

هناك قُتلت مرة ثانية .. ليس القتل يا أصحاب أن يدفن الإنسان تحت التراب فكم من مقتول تمزقت روحه عشرات المرات وهو يفقد من هم أغلى عليه من روحه.. كم من مقتول دفن وهو على قيد الحياة ..
أنا منهم .. قتيلٌ مازال على قيد الحياة.

شارك برأيك