أخبار سوريا

حكاية مرام .. حكاية أم صغيرة

الدكتور حسام عدنان – الغوطة الشرقية.
اليوم هو التاسع حسب التوقيت الدموي لحملة ابادة نصف مليون محاصر في غوطة دمشق
مرام شابة في الثامنة عشرة من عمرها لم يمض على زواجها بضعة اشهر ما زالت عروسا تحلم في كل يوم بطفلها الذي لم يكمل شهره السادس في احشائهامرام اغمضت عينيها منذ يومين تحلم بتلك اللحظة التي تحمل جنينها بين ذراعيها تضمه تشمه تقبله تلاعبه

واستسلمت لنوم عميق ماعلمت مرام ان هناك في البعيد يجتمع ملوك العالم وقادته ليسمحوا لاكبر مجازر القرن الحادي والعشرين بالاستمرار وليعلنوا ان انسانيتهم مجرد شعارات رنانة يسمعونها لاطفالهم قبل نومهم فقط
استيقظت مرام على طاولة العمليات وقد غرقت بدمائها واخترقت شظية ذلك البرميل الاسود جدار صدرها لتصيبها بنزف صاعق شديد
كان القرار باجراء جراحة لصدرها عاجلة قبل ان نخسرها واخبرنا من احضرها انها حامل بشهرها السادس
وحيث ان الغوطة لا تمتلك ذلك الاختصاص النادر توجب علينا ان نجري لها تلك الجراحة حسب خبرتنا المتوافرة وبقايا الخيوط الجراحية التي اصبحت نادرة بغوطتنا ندرة قلوب البشر الصادقة في عالمنا

اجرينا جراحتنا على عجل وطلبنا الكثير من المتبرعين بالدماء وبسبب شدة القصف المرعب لم يتوافد الكثير فجميع الطرقات مهدمة والطيران يستهدف كل حي متحرك
قرر الكادر الطبي التبرع بدماء من وافقت زمرته فصيلة دمها وبعد ساعات طويلة استطعنا بفضل من الله انقاذ حياتها
لكن قصتنا لم تنته بل بدات لتوها!!!
اثناء جولتي المسائية اقتربت من مريضتنا لاطمئن على جراحها وجنينها وكلي امل اننا انقذنا كلا روحيهما
احضرت الايكو ووجدت جنينها يتحرك بشدة وخفة وكانه يستحث خطاه ليخرج الى عالمنا

اتوقع انه لا يعرف ان ضيق رحم امه خير الف مرة من قذارة عالمنا المتعامي عن هذا الاجرام
كانت مرام لتوها تصحو من غيبوبتها بل من ساعة نومها على وسادتها لتبصر حولها الكثير من الوجوه الغريبة تلبس البياض المغشى بقطرات دمها ولتبصر الكثير من المفجرات تخرج من صدرها
كان ارتكاسها الاول امامنا ان وضعت يدها على بطنها تتحسس حركات جنينها المنتظر ورغم المها الشديد سألتني طمني هل هو حي اجبتها مبتسما نعم لم تسعها رغم جراحها الفرحة وصاحت لله الحمد نجونا معا حاولت النهوض فلم تستطع… ظننتها متالمة طلبت منها التريث قليلا لكنها صعقتنا جميعا انا لا اشعر بنصفي السفلي كاملا واعجز تماما عن تحريكه
تجمد الدم في عروقي وحاولت استدراك كلماتها مرة اخرى جربي معنا قليلا تحريك ساقك او حتى اصبع قدمك لم تفلح!! طبقت تنبيها ألميا على ساقها لم تشعر بشيئ

مرام مشلولة!!!!!!! ياربي… ماذا اخبرها كيف اهدئ من روعها كيف ساطفئ فرحتها بنجاتها وطفلها لاخبرها بعجزها الان
في منطقتي لا يوجد جهاز تصوير طبقي لاستطيع تاكيد سبب الاصابة ومدى شدتها لكن الاعراض والفحص اكد اصابتها بشلل تام في هذه اللحظة دار في ذهني الكثير.. احلامها الوردية…. طفلها الذي تنتظره…. ساعة ولادتها… من سيحمل ذلك الطفل…. من سيلبسه ثيابه ويغير حفاضه… اصيبت مرام بالشلل لان كل قادة العالم ومجلس اممه المتحدة مشلولون نعم كلهم اصابهم شلل في انسانيتهم وأخلاقهم كلهم شلت ابصارهم عن ما يجري على ارض غوطتنا

الى من يملك ايقاف مجازرنا ومازال ينتظر امنه القومي المزعوم ومصالحه الاقتصادية التي يبنيها على اشلاء مرام وعمران وحلا وغيرهم من اطفال غوطتنا
ابحثوا عن انسانيتكم وامنكم ومصالحكم عند اقدام مرام وفي عين طفلنا الذي لم نعرف اسمه ليومنا هذا وفي قدم حلا التي ما زلنا نخشى بترها صباح الغد وفي حضن فريال التي خسرت كل اسرتها لكنها ادخلت حليبا لجوف عمران عندما عجزت كل قوتكم المزعومة عن ادخال علبة حليب له ولاقرانه

شلل مرام لن يكون بعيدا عنكم ولا عن شعوبكم ولا عن اطفالكم طالما رضيتم به واصررتم على تكراره خذلتموها ساعة حاجتها لموقفكم لكن الله لن يخذلها من يظن انني استجدي عطف احد فقد اساء ظنه بما اكتبه فنحن في الغوطة نعلم يقينا الى من نلتجأ لكنني انقل ما اشاهده بعين قلبي لتكون قصصهم حجة على العالم كله بكل اديانه الغارق بتفاهاته والمشلولة اخلاقه الكاذبة مبادئه.

شارك برأيك

مقالات ذات صلة